محمد بيومي مهران
379
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
على موسى وأخيه وهارون عليهما السلام ، ذلك لأن هؤلاء الرحل الشاردين الحائرين الذين كانوا يسعون جاهدين وراء حياة أفضل من الارتحال ، ويحلمون ، بعد أن ذاقوا مرارة التنقل واشتد حنينهم إلى أرض كأرض مصر ، بأرض تفيض لبنا وعسلا ، ما داموا لا يستطيعون العودة إلى مصر ، ومن ثم فلم يلبثوا أن انحنوا باللائمة على من أثارهم ضد أصحابها « 1 » . وعلى أي حال ، فإن الثورة قد انتهت بإبادة زعمائها ، إذ « فتحت الأرض فاها وابتلعتهم وبيوتهم » ، ثم سرعان ما خرجت نار من عند الرب فأكلت المائتين والخمسين رجلا ، وأما بقية بني إسرائيل فقد سلط اللّه عليهم وباء كاد أن يفنيهم عن بكرة أبيهم ، لولا أن موسى قد أمر ابن هارون بأن يسرع بإيقاد البخور للتكفير عن جماعة الرب ومع ذلك فقد مات بهذا الوباء « أربعة عشر ألفا وسبع مائة ، عدا الذين ماتوا بسبب قورح » « 2 » . ولم يكتف بنو إسرائيل بثورة « قورح » هذه ، إذ سرعان ما تعاودهم آفتهم القديمة ، فيعاودون التمرد على موسى ، بل إن الثورة هذه المرة إنما تتجاوز كل الحدود ، حتى تصل إلى ذات اللّه العلية ، وذلك حين « تكلم الشعب على اللّه وعلى موسى قائلين لما ذا أصعدتمانا من مصر لنموت في البرية ، لأنه لا خبز ولا ماء ، وقد كرهت أنفسنا الطعام السخيف » ( يعني المن والسلوى ) ، فسلط اللّه عليهم الحيات فمات قوم كثيرون من بني إسرائيل ، ولم يرفع اللّه عنهم هذا البلاء ، إلا بتضرع من موسى « فصلى موسى لأجل الشعب ، فقال الرب لموسى : اصنع لك حية محرقة وضعها على راية فكل من لدغ ونظر إليها يحيا « 3 » ، فصنع موسى حية من نحاس ووضعها على الراية
--> ( 1 ) نجيب ميخائيل : المرجع السابق ص 222 . ( 2 ) عدد 16 / 32 - 50 . ( 3 ) من عجب أن يذهب المؤرخ الكبير « برستد » إلى أن موسى كان يتمسك ببعض الذكريات عن -